الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

 



الحلقة التاسعة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : -
أهلاً ومرحباً بكم ، لنكمل حديثنا في كتاب الله المسطور ، فعلى بركة الله نبدأ الحلقة التاسعة ، والتي سنكمل فيها قصة النبي الملك سليمان الحكيم
قصة النملة مع النبي الملك سليمان الحكيم 
قال تعالى : - ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) سورة النمل آيات 17 ، 18 ،
19 



في يوم من الأيام كان سليمان عليه السلام ، يقود جيوشه للجهاد في سبيل الله ، وكان طريق الجيوش يمر بوادي يعيش فيه النمل ، وكانت الجيوش أثناء سيرها كأنها تهز الأرض هزاً ، وفي داخل الوادي يعيش النمل في هدوء وسعادة ، بعض النمل يبني البيوت ، والبعض يجمع الطعام ، والبعض يقوم بتخزين الطعام ، فالكل مشغولٌ بعمله ، ووسط هذا الجو المشحون بالجدية والعمل ، وإذ بنملة تشعر بهزة الأرض ، أو سمعت ذبذبات صوت الجيوش ، وتأكدت من إقبال جيوش سليمان ، في اتجاه الوادي ، فصاحت النملة بلهفة ، وجمعت النمل ، وقالت لهم جملة حيرت علماء اللغة العربية في كل العصور ، جملة جمعت فيها معظم فنون اللغة العربية ، تعالوا معي نتعلم فنون الكلام من هذه النملة .
قال تعالى على لسان النملة : - ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون ) سورة النمل آية 18 .
قال بعض العلماء أن هذه الآية عجيبة ، لأنها بلفظ ( يَا ) نادت ، (أَيُّهَا ) نبهت ، (النَّمْلُ ) عيّنت ، ( ادْخُلُوا ) أمرت ، (مَسَاكِنَكُمْ ) نصّت ، (  لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ) حذّرت ، (سُلَيْمَانُ ) خصت ، (وَجُنُودُهُ ) عمّت ، (وَهُمْ لَا يَشْعُرُون ) اعتذرت ، فيا لها من نملة ذكية .
كان رد فعل النمل سمعنا وأطعنا ، وعلى وجه السرعة الكل نفذ الأوامر
، انتبه النبي الملك سليمان الحكيم للنملة عندما أطلقت صيحات الاستغاثة ، وسمع الحوار الذي دار بين النمل ، ابتسم سليمان عليه السلام من قول النملة ، ونزل من على حصانه ، وسجد لله ، ثم رفع رأسه للسماء وناجى ربه ، قال تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام  : -
 ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) سورة النمل آية 19 .
وأصدر النبي الملك سليمان الحكيم أمره للجيوش ، بعدم دخول الوادي ، واتخذ طريق آخر ، فقامت النملة وأخبرت باقي النمل بما حدث ، ففرحوا ودعوا الله أن ينصر النبي سليمان وجنوده ، ومضى جيش سليمان في طريقه للجهاد في سبيل الله ، وعاد النمل لعمله وحياته بسلام
هذه هي القصة مجملة ، ومبسطة للغاية 



والآن تعالوا معي نتعرف على مملكة النمل ، ونتعلم منهم النظام ، والجدية ، والحب ، والإخلاص ، وحب العمل الجماعي ، وطاعة القائد ، والتضحية من أجل الحفاظ على مملكتهم .
النمل ينتمي إلى طائفة الحشرات ، وأنواع النمل حوالي 9 آلاف نوع ، مختلفين في الحجم والشكل واللون ، ومملكة النمل تتكون من : -
1- ملكة النمل ، وهي أنثى خصبة ، ودورها إدارة الحكم في المملكة ، وتضع البيض .
2- الشغالات ( العاملات ) ، وهي إناث عقيمة ، وتقوم بكل أعمال المملكة .
3- العساكر ( الجنود ) ، وهم ذكور خصبة ، ودورها تلقيح الملكة ، ويعتبروا هم الجناح العسكري للمملكة .
النملة تستطيع حمل نفس وزنها أو أكثر ، على عكس الإنسان لا يستطيع فعل ذلك ، والنمل يزرعون ، ويحصدون ، ويرعون كالإنسان تمام .
إن مجتمع النمل مجتمع راقي ، الكل فيه يحترم الآخر ، مجتمع تعاوني مثالي ، يذوب الفرد في الجماعة ، يقوم كل منهم بعمله على أكمل وجه بحب وإخلاص ، فكل منهم مجهول في الآخر ، مجتمع لا يعرف الأنانية وحب الذات ، الفرد فيه أغلى شيء في المملكة بالنسبة للجميع ، وفي نفس الوقت يضحى الفرد فيه بنفسه من أجل الجماعة .

في مملكة النمل الكل يعرف طبيعة عمله ، فهناك فريق مسئول عن جمع حبوب القمح والعدس والشعير والكزبرة ، وفريق آخر يقوم بعملية التخزين بصورة صحيحة وعلى أسس علمية متطورة ، فمثلاً حبوب القمح يكسرونها نصفين حتى لا تنبت ، أما الشعير والعدس فيقشرونه حتى لا ينبتا ، أما الكزبرة فلابد من تكسيرها إلى أربع قطع ، لأنهم لو كسروها قسمين تنبت ، وفي حالة كسرها أربعة لا تنبت .
سؤال هل النملة التي خاطبت النمل وحذرتهم من سليمان وجنوده ، كانت نملة عادية ، أم نملة بعينها ؟ وهل كانت ذكر أم أنثى ؟
النملة كانت أنثى بدليل قوله تعالى : - ( قَالَتْ ) التاء للتأنيث ، وهي إما أن تكون الملكة أو أحد الشغالات ، أو أن الملكة قالت والشغالة وصلت الخبر ، وجاءت كلمة ( نَمْلَة ) نكره ، لتدل على أنها نملة عادية ، أو أنها جاءت نكرة للتفخيم ، لأن طبيعة النمل التعاون ، وكأن الفرد يذوب في الجماعة ، فالكل يذوب في الآخر 
من المرجح أن تكون الملكة هي التي أصدرت الأوامر للنمل سواءً خاطبت النمل مباشرة ، أو أمرت أحد الشغالات بتوصيل الأوامر وما يرجح ذلك عندي عدة نقاط وهي كالتالي : -
1- أن الملكة هي الآمرة الناهية في المملكة .
2- أن الملكة هي أم للجميع ، وواجب الأمومة يفرض عليها أن تخاف على ذريتها ، وهذا واضح من سياق الآية .
3- الكلام في سياق سورة النمل كان عن الممالك ، فكان الكلام عن ملك سليمان ، وعن ملكة سبأ ، فلم لا يكون الكلام عن مملكة النمل على لسان ملكة النمل .
سؤال الملكة تكون في الحجرة الملكية ، فكيف عرفت أن سليمان وجنوده بالوادي ؟ .
النمل بصفة عامة ضعيف البصر ، ولكنه يستشعر عن بعد بواسطة قرون الاستشعار الهوائي التي زودها الله بها ، فالنملة يستطيع الإحساس بالروائح ، ودرجة الحرارة ، ونسبة الرطوبة ، وشدة الرياح ، وذبذبات الأصوات ، فلعل الملكة أحست عن طريق ذبذبات الصوت ، ثم أصدرت الأوامر .

جاء في الأثر : - أن قوماً حدث لهم جفاف ، فطلبوا من نبيهم الخروج للاستسقاء ، فخرج الناس يستسقوق ، فإذا هم بنملة رافعة رأسها إلى السماء تدعوا الله أن يسقيهم ، فقال لهم نبيهم كفيتم الدعاء ، فارجعوا فقد استجيب لكم من أجل نملة .
سؤال هل النملة هذه كانت الملكة ، أم كادت نملة عادية ؟ .
من المؤكد أنها كانت نملة عادية من الشغالات ، حيث من مهامها الجد والاجتهاد وجمع الطعام ، فعندما تستنفد طاقتها دون فائدة ، تدعوا الله أن يرزقها ، لكي تتم عملها على أكمل وجه ، فالملوك أخر من يشعر بالجوع والعطش .
والآن تعالوا نتأمل في كلمة (يَحْطِمَنَّكُمْ ) : - في زمن نزول القرآن الكريم ، لم يكن أحداً يعرف شيئاً عن طبيعة تركيب جسم النملة ، ولكن في العصر الحديث ، وبعد دراسات كثيرة ، اكتشف العلماء أن جسم النملة مغلف بغلاف صلب خارجي يشبه الهيكل العظمي ، ليس له مرونة تجعله ينحني مثلاً ، بل ينكسر كالزجاج عندما يتعرض للضغط ، ولذلك جاء البيان الإلهي ليتحدث عن هذه الحقيقة بكلمة (يَحْطِمَنَّكُمْ ) ، أليست هذه معجزة قرآنية
نكتفي بهذا القدر من معلومات عن مملكة النمل .
    
وفاة النبي الملك سليمان الحكيم : -
قال تعالى في كيفية موت سليمان عليه السلام : - ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) سورة سبأ آية 14 .
قدر الله تعالى أن يكون موت النبي سليمان بشكل ينسف فكرة معرفة الجن للغيب ، تلك الفكرة التي استقرت وفتنت بعض البشر ، كان الجن يعملون للنبي سليمان طالما هو حي ، فلما مات انكسر تسخيرهم له ، وأعفوا من تبعية العمل معه ، وقد مات النبي الملك دون علم الجن ، فظلوا يعملون له ، وظلوا مسخرين لخدمته ، ولو أنهم كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين .

                              

كان سليمان عليه السلام متكئاً على عصاه ، يراقب الجن وهم يعملون ، فمات وهو متكئاً على العصا ، ورآه الجن وظنوا أنه يصلي ، واستمروا في عملهم ، ومرت أيام طويلة ، ثم جاءت دابة الأرض وهي نملة تأكل الخشب ، وبدأت تأكل عصا النبي سليمان ، كانت تأكل الجزء الملامس للأرض ، حتى اختلت العصا وسقطت من يد سليمان عليه السلام ، واختل بعدها توازن الجسد الشريف فهوى على الأرض ، ارتطم جسده عليه السلام بالأرض فهرع الناس إليه ، وأدركوا أنه مات من زمن ، وحينئذ تبين الجن أنهم لا يعلمون الغيب ، وعرف الناس هذه الحقيقة ، فلو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ، وهم يظنون أن النبي سليمان حي ، بينما هو ميت من فترة 
وبهذه النهاية العجيبة ختم الله حياة هذا النبي الملك عن عمر اثنين وخمسين عاماً ، ولبث عليه السلام في الملك أربعين عاماً ، ودفن في بيت المقدس بفلسطين .

وبهذا نكون قد إنتهينا من النافذة الثالثة والأخيرة الخاصة بنبي الله سليمان الحكيم ، وأذكركم بأن النافذة الأولى كانت عن الهدهد الداعية ، وكانت النافذة الثانية عن الملكة بلقيس ، وصلنا إلى نهاية الحلقة ، أترككم في رعاية الله وأمنه على أمل اللقاء بكم في الحلقة القادمة في موضوع جديد بمشيئة الله .
استودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات:

   الحلقة الرابعة عشر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : - أهلاً ومرحباً بكم مع الحلقة الرابعة عشر من خواطري في كتاب الله المسطور ، والتي سنك...