الحلقة الثالثة عشر
أهلاً ومرحباً بكم مع الحلقة الثالثة عشر من خواطري في كتاب الله المسطور ، فعلى بركة الله نبدأ حلقة اليوم ، والتي سنكمل فيها حديثنا عن قصة أبو البشرية آدم عليه السلام
قال تعالى على لسان إبليس : - (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) سورة ص آيات 79 ، 80 .
وقال تعالى على لسان إبليس أيضاً : - (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ ) سورة الأعراف آيات 14 ، 15 .
لقد استجاب الله تعالى لطلب إبليس أن أمهله إلى يوم القيامة
والسؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن ، هل نال إبليس مكافأة أو تكرمة في استجابة طلبه بأن يكون من المخلوقات الباقية إلى يوم القيامة ؟
أن من يقرأ الآيات بسطحية قد يتخيل أن إبليس تم إكرامه ومكافأته باستجابة طلبه ، لكن الحقيقة عكس ذلك ، فإبليس أهون على الله من أن يجيب له طلبه ، وقد نفى الله تعالى هذا التصور بقوله تعالى : - ( قال إنك من المنظرين ) فجاء التأكيد ب ( إنك ) ، والإخبار بصيغة ( من المنظرين ) ليفيد أن إنظاره أمر قد قضاه الله تعالى وقدره قبل سؤال إبليس ، ولذلك لم يقل الله تعالى لإبليس أنظرتك أو أجبت لك طلبك ، ولكن الله أعلمه أن ما سأله أمر حاصل ومقدر من قبل سؤاله ، فسؤال إبليس كان تحصيل حاصل ، والله أعلم .
والآن ننتقل إلى نقطة أخرى وسؤال آخر وهو ما الفرق بين النزغ والوسوسة في الآيتين التاليين؟ قال تعالى : - ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) سورة يوسف آية 100
وقال تعالى : - ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) سورة الأعراف آية 20
النزغ : -في اللغة معناه الإفساد بين مجموعة من الناس سواءً كان اثنين أو أكثر ، سواءً كانوا أخوة أو أصدقاء
أما الوسوسة : - فهى لبس الحق بالباطل ، وقلب الحقائق ، وتزين المعصية ، والتشجيع عليها ، وإشغال العقل عن التفكير في عواقب المعصية ، أو النتائج المترتبة عليها . إن كلمة فيها هدوء وخفية وتكرار لمقطع ( وس / وس ) ، فالوسوسة عامة والنزغ خاص ففي الآية الأولى الخاصة بقصة النبي يوسف عليه السلام جاء القرآن بلفظ نزغ ولم يقل وسوس ، نظراً لوجود خصومة بين يوسف وإخوته الذين حاولوا قتله .
فأصل الوسوسة تكون بصوت خفي ، سواءً كان بصوت مسموع أو غير مسموع ، ومثال للوسوسة بصوت غير مسموع قوله تعالى : - ( مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) سورة الناس آيات 4 ، 5 ، 6 ، ومثال للوسوسة بصوت مسموع قوله تعالى : - ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) سورة طه آية 120
سؤال : - يقال بأن إبليس حاول ألوسوسة لآدم وفشل في ذلك ، فوسوس لحواء ونجح في ذلك ، فما صحة هذا الكلام من عدمه ؟
هذا الكلام غير صحيح ، والدليل قوله تعالى : - ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) ، وقال تعالى : - ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا ) سورة الأعراف آية 20 .
ففي الآية الأولى تبين أن الوسوسة كانت لآدم ، وفي الآية الثانية كانت للوسوسة من إبليس لآدم وحواء معاً ، فلا تظلموا أمنا حواء وتتهموها بأنها السبب في الخروج من الجنة ، فالمسئولية تقع على آدم وحواء معاً ، ولو تأملنا في كتاب الله لوجدنا أن المسئولية الكبرى تقع على آدم عليه السلام بدليل قول الله تعالى : - ( فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) سورة البقرة آية 37
وقال تعالى : - ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) سورة طه آيات 121 ، 122 ، إذاً معظم المسئولية تقع على آدم عليه السلام ، وكانت أمنا حواء مظلومة لأجيال عديدة ولسنوات طويلة ، فغفر الله لكل من افترى على أمنا حواء ، واسمحوا لي أن نرسل لأمنا حواء رسالة حب واحترام وتقدير ، ونطلب منها أن تسامحنا ، ولا تعاتبنا غداً في أرض المحشر ، فنحن نحبك يا أمنا ولا طاقة لنا بمعاتبتك لنا
والآن تعالوا معي نتأمل في قول الله تعالى : - ( فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) سورة طه آية 117 ، الله تعالى يخاطب آدم وحواء معاً ويحذرهما من إبليس ، وجاء في موقف الخروج من الجنة ووجه الخطاب لآدم وحده دون حواء ( فتشقى ) أنت يا آدم ، ولم يقل فتشقيا ، ونخرج من هذه النقطة بما يلي : - أن المرأة مكرمة منذ خلقها الله ، فالبنت منذ ولادتها في كفالة أبوها مسئول عنها مسئولية كاملة ، وعندما تكبر وتتزوج تنتقل كفالتها ورعايتها إلى زوجها ، وإذا طُلقت رجعت رعايتها إلى والدها مرة أخرى ، فالمرأة في الإسلام ملكة متوجة ، كرمها الله وأنزل في قرآنه سورة النساء ، وصورة مريم ، وسورة الطلاق إكراماً لها ، ووصانا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بها ، واسمحوا لي بالنيابة عنكم أوجه كلمة لبعض أنصاف الرجال ، والذين يعيشون بيننا في هذا الزمان ، إن الرجولة ليست بظلم المرأة سواءً كانت أمك أو أختك أو زوجتك أو أي أمرأة أخري ، بل الرجولة أن تكرمها وتطيع ربك فيما أمرك به ، ثم تطيع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن تكون كما يريدك الله ، وأذكركم وأذكر نفسي بقول الله تعالى : - ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) سورة البقرة آية 281
أحبتي الكرام أرجوا منكم جميعاً أن تلتمسوا العذر لآبونا آدم ، ولا تظلموه في معصيته ، فقد تاب من ذنبه وقبل الله توبته ، واجتباه نبياً ورسولاً إلى أولاده ، ومصداق ذلك قول الله تعالى : - ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) سورة طه آية 122 ، ثم لا تنسوا أن الله خلق آدم للأرض وليس للجنة ، بدليل قول الله تعالى : - ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) سورة البقرة آية 30 ، فالفترة التي سكنها آدم وحواء في الجنة ، كانت للتدريب على طاعة الله ، وتدريب عملى أن معصية الله تؤدي إلى كشف العورات ، وكانت هذه الفترة أيضا لمعرفة الحلال والحرام ، وكيف نتوب إلى الله إذا عصيناه ، وبالنيابة عنكم جميعاً اسمحوا لي أن نرسل رسالة حب واحترام وتقدير لأبينا ونبينا ومعلمنا وقدوتنا آدم عليه السلام ، ونقول له سامحنا على ما أقترفناه من ذنوب في حقك ، فنحن نحبك وفخورين بك ، ونستسمحك أن تسامحنا ولا تعاتبنا غداً في أرض المحشر ، فلا طاقة لنا بمعاتبتك
سؤال : - ما دلالة كلمة ( حيث ) في قوله تعالى : - ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) سورة الأعراف آية 27 ؟ . فإن كلمة حيث غالباً تستعمل للمكان ، وأحياناُ تستعمل مع الزمان ، وفي الآية التي معنا حيث المراد بها المكان ، لأن سياق الآية يأتي في تحذير بني آدم من الشيطان ( يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) سورة الأعراف آية 27 ، والتحذير من عدو لا يُرى يكون أخوف ، من أن يأتيك من مكان تراه
سؤال ما الفرق بين قوله تعالى : - ( ما منعك أن تسجد ) سورة ص ، وقوله تعالى : - ( ما منعك ألا تسجد ) سورة الأعراف ، وما دلالة استخدام ( لا ) ؟
قال تعالى : - ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) سورة الأعراف آية 12 ، وقال تعالى : - ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) سورة ص آية 75
هناك قاعدة ( لا ) يمكن أن تٌزاد إذا أٌمن اللبس ، وتسمى حرف صلة وغرضها التوكيد وليس النفي ، ونلاحظ أن سياق الآيات في سورة الأعراف كانت توبيخية لإبليس ومبنية على الشدة والغضب والمحاسبة الشديدة ، وجو السورة عموماً فيه لفظ السجود كثير ، فالله تعالى يعاتب إبليس على عدم السجود ، ولو قلنا أن ( لا ) نافية ، سيكون المعنى أنه تعالى يعاتب إبليس على سجوده ، وهذا غير صحيح ، وبالتالي فإن ( لا ) جاءت للتوكيد وليس للنفي
لكن يبقى السؤال : - لماذا جاءت ( لا ) في آية ، وحٌزفت من الأخرى ؟
فلو تأملنا سياق سورتى الأعراف وص في سرد قصة آدم عليه السلام ، لوجدنا أن المؤكدات في سورة الأعراف أكثر من سورة ص ، ففي الأعراف جاءت الآيات ( لأقعدنّ ، لأتينهم ، لأملأن ، إنك ، وغيرها من المؤكدات ) ونجد أيضاً أن كلمة السجود ومشتقاتها في سورة الأعراف أكثر من سورة ص بكثير ، ولتأكيد السجود في سورة الأعراف جاءت ( ما منعك ألا تسجد ) ، إذاً ( لا ) هنا ليست للنفي بل للتأكيد ، كما في قول الله تعالى : - ( لا أقسم بهذا البلد ) سورة البلد آية 1 ، بمعنى أقسم بهذا البلد قسماً محققاً
وقفات تاملية في قصة آدم عليه السلام في سياق سورتى البقرة والأعراف
في سورة البقرة
قال تعالى : - ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ................إلى قوله تعالى ...........وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) سورة البقرة من الآية 29 إلى الآية 38
وفي سورة الأعراف
قال تعالى : - ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ....................إلى قوله تعالى ...............يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) سورة الأعراف من الآية 10 إلى الىية 27
1 - في سورة البقرة بدأت القصة من أقدم حدث فيها ، حيث أبلغ الله تعالى ملائكته الكرام بانه جاعل في الأرض خليفة ، وذكر سبحانه وتعالى مراجعة الملائكة له ، مٌبدين عدم رغبتهم في هذا الإستخلاف لاسباب ذكروها ، فقطع الله تعالى عليهم تخوفهم وظنونهم بقوله ( إني أعلم مالا تعلمون ) ، ثم ذكر اختبار المفاضلة الذي أجراه الله تعالى بين آدم عليه السلام والملائكة الكرام ، وقد تفوق آدم بعلمه الذي علمه الله إياه ، هذه الأوليات من قصة آدم عليه السلام لم تذكر إلا في سورة البقرة دون غيرها ، في حين ذٌكرت القصة في سورة الأعراف من مرحلة الخلق والتصوير ، فهي تبدأ بقوله تعالى : - ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، وكأنها تكملة لما ورد في سورة البقرة
أن من يقرأ الآيات بسطحية قد يتخيل أن إبليس تم إكرامه ومكافأته باستجابة طلبه ، لكن الحقيقة عكس ذلك ، فإبليس أهون على الله من أن يجيب له طلبه ، وقد نفى الله تعالى هذا التصور بقوله تعالى : - ( قال إنك من المنظرين ) فجاء التأكيد ب ( إنك ) ، والإخبار بصيغة ( من المنظرين ) ليفيد أن إنظاره أمر قد قضاه الله تعالى وقدره قبل سؤال إبليس ، ولذلك لم يقل الله تعالى لإبليس أنظرتك أو أجبت لك طلبك ، ولكن الله أعلمه أن ما سأله أمر حاصل ومقدر من قبل سؤاله ، فسؤال إبليس كان تحصيل حاصل ، والله أعلم .
والآن ننتقل إلى نقطة أخرى وسؤال آخر وهو ما الفرق بين النزغ والوسوسة في الآيتين التاليين؟ قال تعالى : - ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) سورة يوسف آية 100
وقال تعالى : - ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) سورة الأعراف آية 20
النزغ : -في اللغة معناه الإفساد بين مجموعة من الناس سواءً كان اثنين أو أكثر ، سواءً كانوا أخوة أو أصدقاء
أما الوسوسة : - فهى لبس الحق بالباطل ، وقلب الحقائق ، وتزين المعصية ، والتشجيع عليها ، وإشغال العقل عن التفكير في عواقب المعصية ، أو النتائج المترتبة عليها . إن كلمة فيها هدوء وخفية وتكرار لمقطع ( وس / وس ) ، فالوسوسة عامة والنزغ خاص ففي الآية الأولى الخاصة بقصة النبي يوسف عليه السلام جاء القرآن بلفظ نزغ ولم يقل وسوس ، نظراً لوجود خصومة بين يوسف وإخوته الذين حاولوا قتله .
فأصل الوسوسة تكون بصوت خفي ، سواءً كان بصوت مسموع أو غير مسموع ، ومثال للوسوسة بصوت غير مسموع قوله تعالى : - ( مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) سورة الناس آيات 4 ، 5 ، 6 ، ومثال للوسوسة بصوت مسموع قوله تعالى : - ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) سورة طه آية 120
سؤال : - يقال بأن إبليس حاول ألوسوسة لآدم وفشل في ذلك ، فوسوس لحواء ونجح في ذلك ، فما صحة هذا الكلام من عدمه ؟
هذا الكلام غير صحيح ، والدليل قوله تعالى : - ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) ، وقال تعالى : - ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا ) سورة الأعراف آية 20 .
ففي الآية الأولى تبين أن الوسوسة كانت لآدم ، وفي الآية الثانية كانت للوسوسة من إبليس لآدم وحواء معاً ، فلا تظلموا أمنا حواء وتتهموها بأنها السبب في الخروج من الجنة ، فالمسئولية تقع على آدم وحواء معاً ، ولو تأملنا في كتاب الله لوجدنا أن المسئولية الكبرى تقع على آدم عليه السلام بدليل قول الله تعالى : - ( فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) سورة البقرة آية 37
وقال تعالى : - ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) سورة طه آيات 121 ، 122 ، إذاً معظم المسئولية تقع على آدم عليه السلام ، وكانت أمنا حواء مظلومة لأجيال عديدة ولسنوات طويلة ، فغفر الله لكل من افترى على أمنا حواء ، واسمحوا لي أن نرسل لأمنا حواء رسالة حب واحترام وتقدير ، ونطلب منها أن تسامحنا ، ولا تعاتبنا غداً في أرض المحشر ، فنحن نحبك يا أمنا ولا طاقة لنا بمعاتبتك لنا
والآن تعالوا معي نتأمل في قول الله تعالى : - ( فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) سورة طه آية 117 ، الله تعالى يخاطب آدم وحواء معاً ويحذرهما من إبليس ، وجاء في موقف الخروج من الجنة ووجه الخطاب لآدم وحده دون حواء ( فتشقى ) أنت يا آدم ، ولم يقل فتشقيا ، ونخرج من هذه النقطة بما يلي : - أن المرأة مكرمة منذ خلقها الله ، فالبنت منذ ولادتها في كفالة أبوها مسئول عنها مسئولية كاملة ، وعندما تكبر وتتزوج تنتقل كفالتها ورعايتها إلى زوجها ، وإذا طُلقت رجعت رعايتها إلى والدها مرة أخرى ، فالمرأة في الإسلام ملكة متوجة ، كرمها الله وأنزل في قرآنه سورة النساء ، وصورة مريم ، وسورة الطلاق إكراماً لها ، ووصانا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بها ، واسمحوا لي بالنيابة عنكم أوجه كلمة لبعض أنصاف الرجال ، والذين يعيشون بيننا في هذا الزمان ، إن الرجولة ليست بظلم المرأة سواءً كانت أمك أو أختك أو زوجتك أو أي أمرأة أخري ، بل الرجولة أن تكرمها وتطيع ربك فيما أمرك به ، ثم تطيع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن تكون كما يريدك الله ، وأذكركم وأذكر نفسي بقول الله تعالى : - ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) سورة البقرة آية 281
أحبتي الكرام أرجوا منكم جميعاً أن تلتمسوا العذر لآبونا آدم ، ولا تظلموه في معصيته ، فقد تاب من ذنبه وقبل الله توبته ، واجتباه نبياً ورسولاً إلى أولاده ، ومصداق ذلك قول الله تعالى : - ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) سورة طه آية 122 ، ثم لا تنسوا أن الله خلق آدم للأرض وليس للجنة ، بدليل قول الله تعالى : - ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) سورة البقرة آية 30 ، فالفترة التي سكنها آدم وحواء في الجنة ، كانت للتدريب على طاعة الله ، وتدريب عملى أن معصية الله تؤدي إلى كشف العورات ، وكانت هذه الفترة أيضا لمعرفة الحلال والحرام ، وكيف نتوب إلى الله إذا عصيناه ، وبالنيابة عنكم جميعاً اسمحوا لي أن نرسل رسالة حب واحترام وتقدير لأبينا ونبينا ومعلمنا وقدوتنا آدم عليه السلام ، ونقول له سامحنا على ما أقترفناه من ذنوب في حقك ، فنحن نحبك وفخورين بك ، ونستسمحك أن تسامحنا ولا تعاتبنا غداً في أرض المحشر ، فلا طاقة لنا بمعاتبتك
سؤال : - ما دلالة كلمة ( حيث ) في قوله تعالى : - ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) سورة الأعراف آية 27 ؟ . فإن كلمة حيث غالباً تستعمل للمكان ، وأحياناُ تستعمل مع الزمان ، وفي الآية التي معنا حيث المراد بها المكان ، لأن سياق الآية يأتي في تحذير بني آدم من الشيطان ( يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) سورة الأعراف آية 27 ، والتحذير من عدو لا يُرى يكون أخوف ، من أن يأتيك من مكان تراه
سؤال ما الفرق بين قوله تعالى : - ( ما منعك أن تسجد ) سورة ص ، وقوله تعالى : - ( ما منعك ألا تسجد ) سورة الأعراف ، وما دلالة استخدام ( لا ) ؟
قال تعالى : - ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) سورة الأعراف آية 12 ، وقال تعالى : - ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) سورة ص آية 75
هناك قاعدة ( لا ) يمكن أن تٌزاد إذا أٌمن اللبس ، وتسمى حرف صلة وغرضها التوكيد وليس النفي ، ونلاحظ أن سياق الآيات في سورة الأعراف كانت توبيخية لإبليس ومبنية على الشدة والغضب والمحاسبة الشديدة ، وجو السورة عموماً فيه لفظ السجود كثير ، فالله تعالى يعاتب إبليس على عدم السجود ، ولو قلنا أن ( لا ) نافية ، سيكون المعنى أنه تعالى يعاتب إبليس على سجوده ، وهذا غير صحيح ، وبالتالي فإن ( لا ) جاءت للتوكيد وليس للنفي
لكن يبقى السؤال : - لماذا جاءت ( لا ) في آية ، وحٌزفت من الأخرى ؟
فلو تأملنا سياق سورتى الأعراف وص في سرد قصة آدم عليه السلام ، لوجدنا أن المؤكدات في سورة الأعراف أكثر من سورة ص ، ففي الأعراف جاءت الآيات ( لأقعدنّ ، لأتينهم ، لأملأن ، إنك ، وغيرها من المؤكدات ) ونجد أيضاً أن كلمة السجود ومشتقاتها في سورة الأعراف أكثر من سورة ص بكثير ، ولتأكيد السجود في سورة الأعراف جاءت ( ما منعك ألا تسجد ) ، إذاً ( لا ) هنا ليست للنفي بل للتأكيد ، كما في قول الله تعالى : - ( لا أقسم بهذا البلد ) سورة البلد آية 1 ، بمعنى أقسم بهذا البلد قسماً محققاً
وقفات تاملية في قصة آدم عليه السلام في سياق سورتى البقرة والأعراف
في سورة البقرة
قال تعالى : - ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ................إلى قوله تعالى ...........وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) سورة البقرة من الآية 29 إلى الآية 38
وفي سورة الأعراف
قال تعالى : - ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ....................إلى قوله تعالى ...............يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) سورة الأعراف من الآية 10 إلى الىية 27
1 - في سورة البقرة بدأت القصة من أقدم حدث فيها ، حيث أبلغ الله تعالى ملائكته الكرام بانه جاعل في الأرض خليفة ، وذكر سبحانه وتعالى مراجعة الملائكة له ، مٌبدين عدم رغبتهم في هذا الإستخلاف لاسباب ذكروها ، فقطع الله تعالى عليهم تخوفهم وظنونهم بقوله ( إني أعلم مالا تعلمون ) ، ثم ذكر اختبار المفاضلة الذي أجراه الله تعالى بين آدم عليه السلام والملائكة الكرام ، وقد تفوق آدم بعلمه الذي علمه الله إياه ، هذه الأوليات من قصة آدم عليه السلام لم تذكر إلا في سورة البقرة دون غيرها ، في حين ذٌكرت القصة في سورة الأعراف من مرحلة الخلق والتصوير ، فهي تبدأ بقوله تعالى : - ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، وكأنها تكملة لما ورد في سورة البقرة
2 - ذكر الله تعالى قصة آدم في سورة البقرة بعد قوله تعالى : - ( هوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فسواهن سَبْعَ سماوات وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وهذه الآية فيها تكريم
للإنسان (خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً) ، وختمت بالعلم ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، وجاءت القصة بعدها مبنية على هذين الركنين : - تكريم آدم ، وتكريم العلم
أما تكريم آدم فيظهر كالتالي : -
1 - ذكر استخلاف آدم في الأرض : - ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً) فهذا تكريم ، إذا المستخلَف ذو منزلة رفيعة .
2 - تفضيل آدم على الملائكة بتعليمه الأسماء كلها .
2 - تفضيل آدم على الملائكة بتعليمه الأسماء كلها .
. 3 – سجود الملائكة لآدم عليه السلام
وأما تكريم العلم في هذه القصة فقد ذكره الله في ثلاث مجالات
1 - إثبات العلم الشامل لله
2 - نفي العلم عن الملائكة إلا ما عَلَّمهم إياه ربُّ العزة
3 - إثبات التعليم لآدم بما يصلح أن يقوم به أمرُ الخلافة
وبالتالي فإن القصة قد وقعت في أحسن موقع وأجمله ، وكأنها جاءت مجملة في الآية الأولى ، ثم تفصيلاً بعدها .
ومن ناحية أخرى فإن قصة استخلاف آدم في الأرض وردت في سورة البقرة فقط دون غيرها ، وهو أنسب مكان نظراً لأن الاستخلاف الناجح لابد له من أمرين : -
الأول : - أن يكون للخليفة حَقُّ التصرف والتدبير فيما استُخلِفَ فيه
2 - نفي العلم عن الملائكة إلا ما عَلَّمهم إياه ربُّ العزة
3 - إثبات التعليم لآدم بما يصلح أن يقوم به أمرُ الخلافة
وبالتالي فإن القصة قد وقعت في أحسن موقع وأجمله ، وكأنها جاءت مجملة في الآية الأولى ، ثم تفصيلاً بعدها .
ومن ناحية أخرى فإن قصة استخلاف آدم في الأرض وردت في سورة البقرة فقط دون غيرها ، وهو أنسب مكان نظراً لأن الاستخلاف الناجح لابد له من أمرين : -
الأول : - أن يكون للخليفة حَقُّ التصرف والتدبير فيما استُخلِفَ فيه
وقد فوض الله آدم عليه السلام بأوسع نطاق بقوله : - (هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً) فلو لم يخلق له ما في الأرض جميعاً ما صَحَّ أن يكون خليفة الله في الأرض .
والثاني : - أن يكون له القدرة على التصرف ، وأن يكون اختياره قائماً على العلم ، من حيث إمكانياته وقدراته ، وقد تبين ذلك
باختباره أنه أصلح المخلوقات لهذه المهمة .
وقد ورد ذكر هذين الركنين في الآية التي سبقت القصة في قوله تعالى : - ( هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً) ، وقوله : - ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فتكون الآية أجملت ركني الاستخلاف ،
وبهذا فإن مسألة الاستخلاف وردت في أنسب مكان لها .
أما في سورة الأعراف : -
فقد بدأت القصة بعد قول الله تعالى : - (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)
والفرق واضح من حيث التكريم بين قوله : - (خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً) وقوله : - (مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) فالتعبير الأول يدل على تكريم أكبر من الثاني ، ثم انظر كيف ختم الآية بقوله : - ( قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) فهي في مقام العتاب على بني آدم ومؤاخذتهم على قلة شكرهم ، وليست في مقام تكريمهم
فالقصة وقعت في الأعراف في سياق العقوبات وإهلاك الأمم الظالمة من بني آدم ، وفي سياق غضب الله عز وجل ، فقد قال قبلها : - ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) ، فالفرق واضح
بين السياقين ، والآن تعالوا معي نتجول في رحاب سورتي البقرة والأعراف فيما يخص قصة آدم عليه السلام ، لنرى إبداع الخالق سبحانه وتعالى في سرد القصة بما يتناسب مع سياق وأجواء كل سورة ، سأعرض لحضراتكم بعض النقاط بأسلوب بسيط جداً : -
فقد بدأت القصة بعد قول الله تعالى : - (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)
والفرق واضح من حيث التكريم بين قوله : - (خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً) وقوله : - (مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) فالتعبير الأول يدل على تكريم أكبر من الثاني ، ثم انظر كيف ختم الآية بقوله : - ( قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) فهي في مقام العتاب على بني آدم ومؤاخذتهم على قلة شكرهم ، وليست في مقام تكريمهم
فالقصة وقعت في الأعراف في سياق العقوبات وإهلاك الأمم الظالمة من بني آدم ، وفي سياق غضب الله عز وجل ، فقد قال قبلها : - ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) ، فالفرق واضح
بين السياقين ، والآن تعالوا معي نتجول في رحاب سورتي البقرة والأعراف فيما يخص قصة آدم عليه السلام ، لنرى إبداع الخالق سبحانه وتعالى في سرد القصة بما يتناسب مع سياق وأجواء كل سورة ، سأعرض لحضراتكم بعض النقاط بأسلوب بسيط جداً : -
1 – ذكر الله تعالى معصية إبليس في سورة البقرة بقوله : - ( أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين ) فقد جمع لإبليس الإباء والاستكبار والكفر، للدلالة على شناعة معصيته بحق آدم عليه السلام ، ولم تأتي مجتمعة في سورة أخري ، فمرة يقول (أبى) ، وتارة يقول (استكبر) ، ولم يجمعهما إلا في هذا الموطن .
وأما في الأعراف فقد قال : - ( إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين) فالفرق واضح بين التعبيرين .
2 - قال تعالى : - ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ) سورة البقرة
وقال تعالى : - ( وَيَا آدَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ) سورة الأعراف
في سورة البقرة أسند الله القول إلى نفسه ( وقلنا يا آدم ) وهذا يعتبر من مقام التكريم والتعظيم ، وناسب ذلك قوله ( رغداً ) في سورة البقرة دون الأعراف .
وقال تعالى : - ( وَيَا آدَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ) سورة الأعراف
في سورة البقرة أسند الله القول إلى نفسه ( وقلنا يا آدم ) وهذا يعتبر من مقام التكريم والتعظيم ، وناسب ذلك قوله ( رغداً ) في سورة البقرة دون الأعراف .
والظرف (حيث شئتما) في البقرة يحتمل أن يكون للسكن والأكل جميعاً والمعنى : - (اسكنا حيث شئتما وكلا حيث شئتما)
وأما التعبير في الأعراف فهو للأكل دون السكن (فكلا من حيث شئتما) ، فالمشيئة والتخيير في البقرة أوسع لأنها تشمل السكن والأكل بخلاف الأعراف ، وهذا يناسب مقام التكريم في البقرة .
وأما التعبير في الأعراف فهو للأكل دون السكن (فكلا من حيث شئتما) ، فالمشيئة والتخيير في البقرة أوسع لأنها تشمل السكن والأكل بخلاف الأعراف ، وهذا يناسب مقام التكريم في البقرة .
3 – قال تعالى في سورة البقرة : - ( فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا ) ،
وقال في سورة الأعراف : - ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُور )
والإزلال غير التَدْلِيَةِ فإن الزلة قد تكون في الموضع نفسه ، وأما التدلية فلا تكون إلا إلى أسفل ، ومنها التدلية في البئر بخلاف الزلة
وقال في سورة الأعراف : - ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُور )
والإزلال غير التَدْلِيَةِ فإن الزلة قد تكون في الموضع نفسه ، وأما التدلية فلا تكون إلا إلى أسفل ، ومنها التدلية في البئر بخلاف الزلة
فقد لا تكون إلى أسفل ، ومعنى (دلاّهما) أي أنزلهما من مكان إلى مكان أَحطّ منه ، فخفف المعصية في البقرة وسماها زلة مراعاة لمقام التكريم بخلاف الأعراف .
4 - لم يذكر في البقرة معاتبة الرب أو توبيخه لآدم وزوجه على معصيتهما مراعاة لمقام التكريم ، بخلاف الأعراف فقد ذكر أنه عاتبهما قال تعالى : - ( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ) ، وناسب هذا العتاب لآدم وحواء في الجنة ، عتاب أبنائهما في الدنيا في الآية التي سبقت هذه القصة بقوله : - ( قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ) .
5 – في سورة البقرة لم يذكر الله تصريح آدم عن نفسه بالمعصية إكراماً له ، في حين ذكرها في الأعراف قال تعالى : - ( قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ) ، وتأملوا معي إن ندم آدم هنا ، يتناسب مع ندم المعاقبين من بني آدم :
( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) ، لقد اتفق الندمان على أمر واحد وهو الظلم فقال آدم : - ( ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا) وقال أبناؤه : - ( إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) ،
ثم ارجع النظر مرة أخرى وانظر كيف كانت العقوبة على قدر الظلم ، فقد قال آدم : - (ظلمنا) بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث و الطروء للدلالة على أنها زلَّةٌ طارئة وليست معصية إصرار.
وقال أبناؤه : - (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات على الظلم والإصرار فتاب على الأولين وأهلك الآخرين .
6- قال في البقرة : - ( قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) ، والتكريم
واضح في هذه الآية ، إذ فيها وعد لمن تبع الهدى بالعودة إلى الجنة حيث لا خوف ولا حزن ، ولم يقل مثل ذلك في الأعراف .
ثم انظر كيف قال : (تَبِعَ) بالتخفيف ولم يقل : - (اتّبع) بالتشديد كما فعل في (طه) فقد قال فيها : - ( قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى) سورة طه آية 123 ، لأن الفعل المشدد يفيد المبالغة فاكتفى في البقرة بالأخفِّ من الحدث ولم يشدّد عليهم تخفيفاً على البشر مراعاة لمقام التكريم .
واضح في هذه الآية ، إذ فيها وعد لمن تبع الهدى بالعودة إلى الجنة حيث لا خوف ولا حزن ، ولم يقل مثل ذلك في الأعراف .
ثم انظر كيف قال : (تَبِعَ) بالتخفيف ولم يقل : - (اتّبع) بالتشديد كما فعل في (طه) فقد قال فيها : - ( قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى) سورة طه آية 123 ، لأن الفعل المشدد يفيد المبالغة فاكتفى في البقرة بالأخفِّ من الحدث ولم يشدّد عليهم تخفيفاً على البشر مراعاة لمقام التكريم .
7- قال في الأعراف : - ( فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين) وقال فيها أيضاً : - ( فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا )
وقال في خاتمة السورة : - ( إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) سورة الأعراف 206 ، فهناك تناسق بين القصة وخاتمة السورة ، فقد نفى الله تعالى عن ملائكتة التكبر وأثبت لهم السجود ، بخلاف إبليس الذي أثبت له التكبر ونفى
عنه السجود ، وقال تعالى في سورة البقرة عن إبليس : - ( وَكَانَ مِنَ الكافرين ) ، وقال في خاتمة السورة : - ( فانصرنا عَلَى القوم الكافرين) فتناسقت قصة آدم مع خاتمة السورة ، كما فعل ربي في سورة الأعراف .
وقال في خاتمة السورة : - ( إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) سورة الأعراف 206 ، فهناك تناسق بين القصة وخاتمة السورة ، فقد نفى الله تعالى عن ملائكتة التكبر وأثبت لهم السجود ، بخلاف إبليس الذي أثبت له التكبر ونفى
عنه السجود ، وقال تعالى في سورة البقرة عن إبليس : - ( وَكَانَ مِنَ الكافرين ) ، وقال في خاتمة السورة : - ( فانصرنا عَلَى القوم الكافرين) فتناسقت قصة آدم مع خاتمة السورة ، كما فعل ربي في سورة الأعراف .
8 - قال تعالى في سورة الأعراف : - ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا) فذكر أن الغرض من الوسوسة هو أن يبدي لهما السوءات ، وقد وقع ذلك فعلاً : - ( فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة) بُغيةَ سَتْر العورة ، وعقب على ذلك بقوله : - ( يا بني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ)
وهذا التعقيب هو المناسب لظهور السوءات وانكشافها في الجنة ، ثم انظر كيف ذكر هنا كلمة (لباس) مع التقوى فقال : - (وَلِبَاسُ التقوى) ليتناسب مع ما سبق ، فالتقوى لبس يواري السوءات الباطنة ، واللباس والرياش يواري السوءات الظاهرة .
أحبتي في الله ، نكتفي بهذا القدر في حلقة اليوم ، وترقبوا هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض ، وأين هبطوا ، وما شكل الأرض آنذاك ، وما المخلوقات التي كانت موجودة على الأرض عندما هبطوا إليها ، كل هذا وأكثر سنعرفه في الحلقة القادمة بحول الله وقو.
استودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته