الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

 الحلقة السادسة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : -
أهلاً ومرحباً بكم مع الحلقة السادسة ، ففي حلقة اليوم سنفتح النافذة الثانية الخاصة بالملكة بلقيس ملكة سبأ .

مملكة سبأ : - ذكرت سبأ في القرآن الكريم  ، بل ويحتوي القرآن الكريم على سورة تسمى سبأ ، وذلك لكثرة القصص عنها ، وأشهرها قصة بلقيس مع نبي الله سليمان والهدهد ، وكذلك  قصة السد العظيم ( سد مأرب ) وسيل العرم .
نشأت مملكة سبأ في القرن العاشر قبل الميلاد ، وكانت عاصمتها مأرب ، وقد تمكن ملوكها من بناء سد مأرب ، وإقامة علاقات تجارية مع أفريقيا والهند واليونان ، وكانت قبيلة سبأ أكبر وأهم قبيلة ، وما عداها من القبائل يدور في فلكها ، البعض يرتبط بها حيناً وينفصل حيناً أخر مثل قبيلة معين وقتبان ، وحضر موت ، أو يندمج معها ليكونا قبيلة واحدة مثل قبيلة حمير ، والتي لقب ملوكها بملوك سبأ وذو وريدان ( حمير ) . 



من هي الملكة بلقيس ؟ .
هي بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر ، من قبيلة حِمْيَر، أرضها سبأ باليمن ، ولا يوجد تاريخ لسنة ولادتها ووفاتها. 
كانت بلقيس ذات حسب ونسب ، فأبوها كان ملكاً ، وقد ورثت الملك عن أبيها ، لأنه على ما يبدو لم يرزق بالبنين ، فبمجرد أن بلقيس أصبحت ملكة على قوم سبأ ، وإذ بقومها يستنكرون توليها للعرش ، وقابلوا هذا الأمر بالازدراء والاستياء ، كيف تتولى امرأة مملكتهم ، أليس منهم رجل رشيد ؟                
وحدثت مناوشات داخلية ، وأعلن معظم قوم سبأ رفضهم للملكة بلقيس ، بل ورفضوا طاعتها في أي أمر ، وكاد الأمر أن يذهب لحرب أهلية ، وكان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكة سبأ ، فقد أثار الطمع في قلوب الطامعين للاستيلاء على مملكة سبأ ومنهم الملك ( عمرو بن أبرهة ) الملقب بذي الأذعار ، الذي حشر جنده وتوجه إلى مملكة سبأ للاستيلاء عليها وعلى ملكتها بلقيس ، إلا أن بلقيس علمت بما في نفس ذي الأذعار ، فخشيت على نفسها ، وتخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار ، وأصبح عمرو بن أبرهة ( ذي الأذعار ) ملكاً لقوم سبأ ، واختفي العدل ، وساد الفساد والفوضى في أرجاء المملكة ، كما أنه تسلط على العباد فذلهم وقهرهم وظلمهم وسلبهم من جميع حقوقهم ، وضاعت هيبة المملكة ، وعلى جانب أخر قوم سبأ قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم مما يرونه من فساد وظلم وذل ، ولم يستطيع أحداً منهم أن يعترض من كثرة جبروت ذي الأذعار .



ومنذ تولي ذي الأذعار زمام الأمور لمملكة سبأ ، والملكة بلقيس تراقب ما يحدث بكل دقة وتحلل شخصية الملك عمرو بن أبرهة ، وعرفت نقطة ضعفه وهي شرب الخمور ، وقررت الملكة بلقيس العودة لمملكة سبأ ، فأرسلت لذي الأذعار وعرضت عليه الزواج ، فرحب فتزوجته ، وظلت تسقيه الخمر وهو ظان أنها تسامره ، وعندما بلغ الخمر منه مبلغه ، استلت سكيناً وذبحته ، وخلصت مملكة سبأ من شره ، بل خلصت البشرية كلها من فساد هذا الرجل
وعاد لها الملك مرة أخرى ، وعم الفرح والسعادة أرجاء مملكة سبأ للتخلص من شر ذي الأذعار ، وعودة الملكة الرشيدة الجريئة الملكة بلقيس ، والتي استطاعت أن تنال ثقة قومها ، واستطاعت أيضاً أن تجمع قلوب قومها على محبتها ، والإنتماء والولاء والطاعة لها .
وفي زمن حكم بلقيس استقرت البلاد ، وتمتع أهل اليمن بالرخاء والحضارة والعمران والمدنية ، كما حاربت بلقيس الأعداء ، ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة ، ومما أذاع صيتها وحبها أكثر وأكثر في قلوب الناس ، أنها قامت بترميم سد مأرب الذي قد نال منه الزمان ، وأضعف أوصاله ، مما ساهم في ازدهارالزراعة والتجارة .

إن بلقيس لم تكن امرأة عادية ، أو ملكة حكمت في زمن من الأزمان وانتهى الأمر ، فقد خلد القرآن الكريم ذكرها ، و تعرض لها دون أن يمسّها بسوء ، فذِكر الملكة بلقيس في القرآن الكريم هو تقدير للمرأة في كل زمان و مكان ، هذه المرأة التي استضعفتها الشعوب والأجناس البشرية وحرمتها من حقوقها ، وأنصفها الإسلام و كرمها أعظم تكريم .



والآن تعالوا نكشف الستار عن بعض ملامح شخصية الملكة بلقيس
إن الملكة بلقيس ما كان لها هذا الشأن العظيم لولا اتصافها برجاحة العقل ، و سعة الحكمة و غزارة الفهم ، وحسن التفكير ، و حزم التدبير أسعفاها في كثيرٍ من المحن الشديدة التي تعرضت لها هي ومملكتها ، و منها قصتها مع الملك ذي الأذعار الذي كان يضمر الشر لها و لمملكتها ، ولكن دهاءها وحنكتها خلصاها من براثن ذي الأذعار و خلص قومها من فساده و طغيانه .
كما أنها عُرفت بحسن المشاورة ، فهي لم تكن متسلطة في أحكامها ، متزمتة لآرائها ، لا تقبل النقاش أو المجادلة ، بل كانت كما أجرى الله على لسانها ( قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) ، فكان بمقدورها أن تكتفي برأيها و هي الملكة العظيمة ، صاحبة الملك المهيب فهي ببصيرتها النيّرة كانت ترى أبعد من مصلحة الفرد ، فهّمها كان فيما يحقق مصلحة الجماعة.


 كان قوم بلقيس يعبدون الشمس ، وكانوا يتقربون إليها بالقرابين ويسجدون لها من دون الله ، وهذا ما لفت انتباه الهدهد فقد وجد أن أهل سبأ على الرغم مما آتاهم الله من النعم ، إلا أنهم يسجدون للشمس من دون الله ، فما كان من سليمان عليه السلام والمعروف بكمال عقله وسعة حكمته إلا أن تحرى صدق الهدهد   
فقال : - ( سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) ، وأرسل إلى بلقيس ملكة سبأ بكتابٍ يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والإنابة والإذعان ، وأن يأتوه مسلمين خاضعين لحكمه وسلطانه ، ونصه ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) ، وعندما جمعت وزراءها وشاورتهم في أمر هذا الكتاب ، وفي هذا الوقت كانت مملكة سبأ تشهد من القوة ما يجعل الممالك الأخرى تخشاها ، و تحسب لها ألف حساب. فكان رأي وزرائها “ نحن أولوا قوةٍ و أولوا بأس شديدٍ “ في إشارة منهم إلى اللجوء  
للحرب والقوة ، إلا أن بلقيس صاحبة العلم والحكمة والبصيرة النافذة اقترحت رأياً مخالفاً لرأيهم ، فهي تعلم بخبرتها وتجاربها في الحياة أن “ الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”. ورأت أن ترسل إلى سليمان بهديةٍ مع أشراف قومها ، لعله يلين أو يغير رأيه ، وفي نفس الوقت تتفقد جيش نبي الله سليمان ، وتنتظر بما يرجع المرسلون .
ولكن سليمان –عليه السلام- رد عليهم برد قوي منكر صنيعهم ومتوعد إياهم بالوعيد الشديد قائلاً: - ( أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتكم ، بل أنتم   بهديتكم تفرحون ) .

وعندها أيقنت الملكة بلقيس قوة سليمان وعظمة سلطانه ، وأنه نبي من عند الله عز وجل ، جمعت حرسها وجنودها وذهبت إليه في الشام غير خايفة لأنها تعلم أن أنبياء الله لا يؤذون العباد ، بل يدعونهم إلى الهدى والفلاح .
وكان عرش بلقيس وهي في طريقها إلى سليمان –عليه السلام- مستقراً عنده ، فقد أمر جنوده بأن يجلبوا له عرشها ، فأتاه به رجلٌ عنده علم الكتاب قبل أن يرتد إليه طرفه ، ومن ثم غّير لها معالم عرشها ، ليعلم أهي بالذكاء و الفطنة بما يليق بمقامها و ملكه ، وستقبلها نبي الله سليمان بحفاوة تليق بمكانته ومكانتها كملوك وجهز لها صرح ممرد من قوارير خصيصاً لإقامتها فيه كما 
ذكرنا سابقاً ، إلا أنها حسبته لجةً فكشفت عن ساقيها ، وحينذ عرفت وأيقنت أنها وقومها كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم لغير الله تعالى ، لم تتكبر ولم تتكبر ولم تأخذها العزة بالإثم ، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين . 
سؤال هل تزوج نبي الله سليمان بملكة سبأ الملكة بلقيس ؟
 ،  هناك كتب ومراجع ، كتبت أن نبي الله سليمان تزوج من الملكة بلقيس وهذا غير حقيقي فالنبي الملك سليمان الحكيم لم يتزوج من الملكة بلقيس فكان همه وتركيزه دعوتها وقومها إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الشمس ، أما بالنسبة للملكة بلقيس فقد تزوجت من أحد أمراء وأشراف قومها

إلى هنا نكون وصلنا لنهاية الرؤية من نافذة الملكة بلقيس ، وبالتالي لنهاية حلقة اليوم أترككم في رعاية الله وأمنه ، على أمل اللقاء بكم ونفتح النافذة الثالثة الخاصة بالنبي الملك سليمان الحكيم 
استودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات:

   الحلقة الرابعة عشر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : - أهلاً ومرحباً بكم مع الحلقة الرابعة عشر من خواطري في كتاب الله المسطور ، والتي سنك...