الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

 

الحلقة الخامسة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : -
أهلاً ومرحباً بكم مع الحلقة الخامسة ، لنكمل حديثنا عن الهدهد السليماني وسنقف وقفات في مدرسة هذا الهدهد المؤمن ، الذكي ، المؤدب .



الوقفة الأولى / الهدهد الإيجابي 
لقد شاهد الهدهد قوما يعبدون الشمس ، شاهد هذا المنكر العظيم ، فلم يقف موقفا سلبيا ، وإنما ذهب وتحرك وتقصى ، وألقى بالنبأ إلى سليمان عليه السلام ، باذلا كل جهده في تغيير المنكر ، وضاربا بذلك أروع المثل في الإيجابية العملية .
لقد فعل الهدهد ذلك كله دون تكليف مسبق ، أو تنفيذ لأمر صادر ، وجلب للقيادة المؤمنة خبرا أدى إلى دخول أمة كاملة في الإسلام ، إن هذه الإجابية التي تميز بها الهدهد السليماني هي ما نفقده اليوم .  
إن أجدادنا الأوائل كانوا إيجابيين ، فعندما ننظر إلى جيل الصحابة فنرى لكل صحابي سمة معينة وإبداعا متميزا ، فعلى سبيل المثال في معركة القادسية رأى صحابي خيل المسلمين تنفر من فيلة الفرس ، فصنع فيلا من طين ، وأنس به فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل ، فحمل على الفيل المقدم حتى دحره ، إن لهذه الإيجابية لثمرات عديدة منها :            
 نمو الحضارة الإنسانية : فمعظم الاختراعات والابتكارات كانت فردية ، وبدأت بإيجابية عملية من عالم أو صانع .
 الإعذار إلى الله : وقد امتدح الله قوما واصلوا الوعظ والإرشاد لقوم غُلف القلوب لا لشيء إلا للإعذار إلى الله قال تعالى : - ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون )  .
 احترام النفس والثقة بها : -  فالإيجابي رجل يحترم نفسه ويعرف قدرها في غير غرور ولا كبر ، وانظر إلى ذلك الذي قال له رجل : - أريدك في حويجة ، فقال له : ابحث لها عن رجيل ، فمن أراد زيادة إيجابيته ، فعليه بالإيمان ، وتجنب الهوى ، وتحصيل العلم . 


الوقفة الثانية / الهدهد ومهارات الخطاب 
في خطاب الهدهد مع النبي الملك سليمان عليه السلام العديد من المهارات والإبداعات التي يجب أن نتعلمها ونحن نخاطب الآخرين .
1- أولا إيجازه للخطاب ، فقد جمع في أسطر معدودة قصته الطويلة مع هذه الملكة التي تعبد وقومها الشمس .
إن الهدهد يدرك أنه يخاطب ملكا ، والملوك أوقاتهم مليئة بالمشاغل وليس لديهم وقت لسماع التفاصيل ، ومن هنا ركز الهدهد على أصول المسائل فأوجز وأبلغ ، فيجب علينا أن نتعلم من الهدهد عندما نخاطب مسؤول كبير ، أو عالم جليل ، أن نراعي ظروف من نخاطب ومنزلته ومكانته .
 استفتح الهدهد خطابه بقوله (أحطت بما لم تحط به ) بدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيابه ، وتضمن إصغاء الملك له ، فالهدهد كان يحاول أن ينجو من العقوبة ، فلنتعلم من أسلوب الهدهد ، ونطوره لنشر الخير والدعوة ، فالكثير ينفرون من  المواعظ المعتادة ، وبمجرد أن تبدأهم بالحديث بها فإنهم يعرضون ، ولذلك فنحن بحاجة إلى مدخل ذكي ، نشد به أسماعهم ونأسر ألبابهم حتى تتسلل كلمات الحق إلى قلوبهم
 حين أخبر الهدهد سليمان عليه السلام بخبر بلقيس وقومها وكفرهم بالله ، لم يقل لسليمان : اذهب فأمرهم بالتوحيد والسجود لله ، وإنما قال : (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء ..) ، فالهدهد هنا ألمح بالحل ، ولم يأمر به ، اقترح ولم يفرض ، عرض ولم يصرح بالتكليف ، وبمثل هذا الأسلوب يمكن أن نكسب الناس .
إن طبيعة النفس البشرية تنفر من الأوامر الصارمة ، ولذلك كان لزاما علينا ونحن نوجه الناس ونعظهم أن نجتنب صيغة الأمر المباشر ، ونحاول اللجوء لأسلوب العرض والاقتراح .
4 - قال ابن القيم في قوله تعالى : { وجئتك من سبأ بنبأ يقين } : ( والنبأ هو الخبر الذي له شأن ، والنفوس متطلعة إلى معرفته ، ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب ، وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ، ثم الكشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التوكيد

الوقفة الثالثة / الهدهد وإنكار المنكر 
فقد ساءه ما رأى من عبادة بلقيس وقومها للشمس ، فتمعر وجهه لذلك وحمي أنفه ، ومازال بهم وبسليمان حتى دخلوا جميعا في الإسلام وزال هذا المنكر ، فهل نجد في واقعنا صدى لهذه الخصلة ؟ 
إن إنكار المنكر ـ وللأسف ـ صار لا يشكل جزءا من همنا ولا من تربيتنا مع أننا جميعا نحفظ حديث السفينة وندرك خطر المنكرات حين تنتشر .

الوقفة الرابعة / الهدهد الدقيق 
أنظر إلى قول الهدهد : (أحطت بما لم تحط به ) والإحاطة بالشيء هي معرفة الشيء من جميع جوانبه ومن مختلف زواياه ، فالهدهد مازال ببلقيس وقومها حتى ( أحاط ) بأخبارهم ، وفي هذا من الدقة والضبط ما لا يخفى ، فعلينا ألا نتعجل بالحكم على شيء حتى نحيط به علماً .
فما أحوجنا إلى هذا السلوك الهدهدي ، الإحاطة أولا ثم الحكم والتصرف

الوقفة الخامسة / الهدهد وسلطان العلم
قال ابن القيم : (( إن سليمان لما توعد الهدهد بأن يعذبه عذابا شديدا ، أو يذبحه إنما نجا منه بالعلم ، وهكذا ارتفع الهدهد بالعلم ، والعلم دائما يرفع صاحبه ، ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ،
وعندما قام عفريتاً من الجن بوعد سليمان عليه السلام ، أن يأتيه بالعرش قبل أن يقوم من مقامه ، بينما وعده الذي عنده علم من الكتاب أن يأتيه به قبل أن يرتد إليه طرفه ! فليس المقياس إذا قوة ولا نسب ولا مال وإنما هو علم يقود للتقوى ، فما حصيلتنا منه ؟ وما مدى حرصنا عليه ؟ 

الوقفة السادسة / الهدهد واحترام القيادة 
قال النسفي رحمه الله حول قوله تعالى (فمكث غير بعيد ) ، وصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان ، إذا  فقد كان الهدهد يهاب سليمان ويحترمه ويقدره ، ومع أنه كان في مهمة دعوية عظيمة إلا أنه حاول إنجازها بأسرع وقت لأنه تذكر أنه خرج بغير استئذان !

الوقفة السابعة / سليمان عليه السلام وعوامل النجاح القيادي
كان سليمان عليه السلام نبيا ، وملكا ملهما موفقا ، والناظر في تصرفاته يلمح كثيرا من عناصر التفوق القيادي ، والتي منها : -
1ـ تفقد الأتباع :  فلم يفته غياب هذا الهدهد ، وتنبه له ... ولم يكن هذا التنبه عارضا ، وإنما بعد تفقد وسؤال مما يدل على أنه كان يحرص على رعيته ويسأل عنهم ، ولا يمكن أن يكون القائد ناجحا إلا بمثل هذا التفقد .

2ـ الحزم والصرامة : - لما تبين له غياب الهدهد دون إذن ، ولما شاع خبر غيابه أمام الجميع ، قال : (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه ) ، لقد هدد الهدهد بهذه العقوبات ( استصلاحا له ، أو إعداما له لئلا يلقن بالفساد غيره )  ولا ريب أن الحزم والصرامة في مواجهة الخطأ كفيلة بوأده في مهده ، أما حين يخطئ الإنسان ويشيع خطؤه في الناس ثم يتراخى القائد في الأخذ على يده فإن العاقبة حينئذ تكون سيئة ، إذ يتجرأ غيره على الخطأ ، وتنكسر حينئذ هيبة القيادة .

3ـ التثبت والتبين 
نرى ذلك واضحا في قوله بعد سماعه خبر الهدهد : (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) ، كما تجلى ذلك في استثنائه عند التهديد بالعقوبة حيث قال : (أو ليأتيني بسلطان مبين ) ، إن العجلة في الحكم وتصديق كل ما يقال والجزم بالنتائج دون سماع الرأي الآخر من تصرف الغوغاء ، ولا يمكن لقائد أن ينجح ما لم يتخذ من التأني والتروي والتثبت شعارا .
4ـ معرفة مواطن الضعف عند الخصم
فحين هدد سليمان عليه السلام بلقيس لم يهددها بالموت ولا بالهلاك ، بل هددها بالذلة ( ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) ، ذلك أنه شعر من قولها: - ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) شعر من ذلك أن أخوف ما تخاف منه أن تصير ذليلة بعد العز ، فمن ثمّ خوفها بما تخاف منه ، واستغل نقطة ضعفها كما يقول المعاصرون .

الوقفة الثامنة / متابعة صدى المواقف والأقوال 
إن الكثير من الدعاة يلقون الكلمات الطيبة ، ثم ينصرفون ، ومثل هذه الطريقة لا تبني رجالا ، وإنما تؤثر تأثيرا وقتيا ، فانظر إلى هذا الدرس السليماني : (اذهب بكتابي هذه فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ) ... تأمل قوله : (فانظر ماذا يرجعون ) ! نعم ليست القضية أن يلقي الكتاب ويوصل الرسالة فقط ... وإنما هناك متابعة لردة الفعل ، هل استجابوا ؟ هل لانوا ؟ هل عاندوا ؟ وبناء على ردة الفعل يكون التصرف ، إن كثيرا من المحاولات التربوية تفشل لأن المربي يهتم بإلقاء كل ما لديه من معلومات دون أن ينظر أثر ما قال في تلميذه .

الوقفة التاسعة / لا تغتر بما عندك 
رب صغير حاز بما لم يحزه الكبير ، وهذا الهدهد وهو طير صغير أحاط بما لم يحط به سليمان وهو نبي ملك
وهكذا ينبغي أن تدرك أنه قد يكون عند من هو أصغر منك سنا ، وأقل ذكرا ما ليس عندك ، وعليه فاحرص على الاستفادة من الجميع ، والقط المعلومة والفائدة من حيث خرجت .

وبهذا نكون قد انتهينا من النافذة الأولى الخاصة بالهدهد ، ويبقى لنا نافذتين ، أحدهما عن نبي الله سليمان الحكيم ، والأخرى عن الملكة بلقيس وصلنا إلى نهاية الحلقة ، استودعكم الله .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات:

   الحلقة الرابعة عشر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : - أهلاً ومرحباً بكم مع الحلقة الرابعة عشر من خواطري في كتاب الله المسطور ، والتي سنك...